Archives de la catégorie ‘عَرَبِيّات’

.في حلقِ ريتا ذوقُ القبلةِ الوهميَّة الأولى
.كلُّ ما تلاها من حقيقةٍ ألغته بهزةِ رأسٍ و ابتسامةٍ ساخرةٍ ردَّدَتها مرايا القاعة بإخلاصٍ مشتبهٍ فيه

كانت حركة الرقص التي تتمرَّن عليها تُؤلمها كما في المرةِ الأولى. و كان الوَجَعُ بقدر وَجَعِ الحقيقة الأولى، لا يُعتاد عليه و لا يُتقَن تجاهُله

.اقتربت ريتا من المرآة. أضحكتها فكرة أنها، كلما أرادت أن تُقبِّل شيئا على المرآة، قبَّلت انعكاس صورتها عليها
كان المجاز رهيبا. لا تصلُح الحقائق للذكرى إلَّا لأنَّ لا أحد يُقبِّل ريتا كما تريد هيَ أن تُقبَّل. لا أحد يفقه في تقبيلها إلا هي، و كان من السخيف جدا، جدا، أن تصِف الكيفية لكل من أراد ذلك

ابتعدت ريتا عن المرآة و استلقت في وسَط القاعة. لِحسنِ الحظِّ، لم يكن بالسقف مرآة مشاكسةٌ تذكِّرها أن الكيفية مجرد وهمٍ آخر، و أن « كل من أراد ذلك » قد أعرَضَ عنه منذ الحقيقة الأخيرة

.مرَّت أنامل ريتا بلطفٍ على حُنجرَتِها، جدَّفَت حتى غَاصَت في خصرِها الضيِّق ثم تسلقَت مُرتَفَعا جبَلِيّا و نامت عليه
لم تستَعِر ريتا مِن المزهرية تضاريسَها فَقَط. كان ما يسكُنُها في حاجةٍ شديدةٍ دائمةٍ إلى شمس و ماء… و أناملَ باردة خجولة تجوب سهولها و هضابها و جبالها و وِديَانَها، و تتعثَّرُ عمدا لا عفوا بين الفينة و الأخرى

لا تصلح الحقائق للذِّكرى إلا لأنَّ الأنامل التي تاهَت بَين تضاريس ريتا، كانت إمَّا تُلبِّي دعوةً أو تَرتَجِل موقفا. و كانت، لِغُلوِّها في الدفءِ و غُلوِّها في التَّحرِّي، تُشعِرُها بغثيانٍ متواصلٍ لا ينقطع إلا بانقطاع الدخيل عن مداخَلَتِه

بلَغَ مَسمَع ريتا من الرِّواقِ همسٌ خفيف. أغمضت عينَيهَا، حبَسَت أنفاسها و أنصَتَت إلى حفيف الأقدام المتناثرة حولها. سألها صوتٌ رجولي : « سَيِّدتي، هل أنتِ بخير ؟ » كادَت أن تبتَسِم لِكلمة « سيدتي ». أعاد الصوت السؤال بنبرةٍ يُنازِع فيها التوتر نفاذَ صبرٍ و بعضَ حنان

.اشتدَّ في حلقِ ريتا ذوق الوهمِ الأول. كانت تضاريسها تُحتَلُّ بِمبدَئ شرعيَّة الإغاثة، و كان عددُ المستوطنين يزدادَ بشكلٍ لا يُصدَّق

أحسَّت ريتا بالمزهرية تُرمى في موقدِ الأنامل، و بِمعالِمِها تنحسِرُ تحت وقعِ البصمات، و الماء فيها يعلو و يموج حتى إذا ما بلغ السَّيل الزُّبى، انتفضت و ارتمت على الأرض، لافظةً كلَّ ما حوَاهُ جوفُها، جارفاً معهُ الأوهام التي سَكَنَت حلقَهَا و استبَّدَّت به و استَوحَدَت فيه

. »عاد الصوتُ الرُّجولي أدراجه. اقتربَ من ريتا، انحَنَى و هَمَس : »عذراً، سيدتي، هل أنتِ بخير ؟
. »ضاقَ السؤال بريتا ذرعاً. أغمضت عَينَيهَا، طَرحت كل تضاريسها أرضاً و همَسَت : »عُذراً، سيدي، هل أبدو بِخير ؟

1

1

Qiblah-Direction-Mosque-Sign-Islamic-Calligraphy-and-Typography-001

.تتقدم ريتا حافيةَ القدمين. ببطء و نشوةٍ شديدة، تغوص قدماها في الرمل الدافئ خطوة تلو الأخرى

.تبتسم و يُخيَّل لها كأن حبات الرمل قد أخذت تتسلق جسدها و تخترق جلدها نحو قلبها

قلب ريتا باردٌ جدا. و عنيدٌ جدا. « قلبك أخرقٌ جدا. » قال لها ذات يوم. « عليه الكثير من الأقفال، هوني عليك. » قالت بسخرية « صحيح
. »أن عليه الكثير من الأقفال، لكنها تُفتح كلها بمفتاح واحد

توقفت ريتا عن السير. انحنت و غرست يديها في الرمل حتى الكوعين. لم تسأل الدّليل إن كانت هناك عقاربٌ أو أفاعٍ أو حيوانات
.قد تشكل خطرا في هذه المنطقة. فقط تمتمت « أريد أن أصلي » و انفصلت عن الفوج

كانت تعلم أنها تكذب حين تدّعي أن كل تلك الأقفال التي على قلبها تُفتح بمفتاحٍ واحد. لم يكن هناك أقفال اطلاقا. كانت تود لو أنها هزّته بعنفٍ و ذكّرته أن الأقفال لا توضع إلا على ما يُخاف على ضياعه أو خسارته. و التجويف اليتيم من كل شيء، حتى من رحمة
.الصدى لا يطلب سوى أن يُملأ أو أن تُقتَلَع جدرانه

.وضعت ريتا جبهتها على الرمل و أغمضت عينيها. إن لم يكن قلبها أخرقا فذلك لا يمنعه من أن يكون سخيفا جدا

تذكرت غادة حينما قالت « لقد كنت دائما عاشقة رديئة. أقول لا و أضمر نعم. » لطالما قالت نعم و أضمرت لا. كان طموحها في ملئ
.التجويف السخيف لا يُلجَم

.رفعت ريتا رأسها ببطء و انتشلت ذراعيها من بطن الصحراء. كان هنالك رجل يراقبها من بعيد، في ملامحه فضولٌ غريب و سذاجةٌ لذيذة
.انتاب ريتا ارتباك و ضحكٌ هستيري. لم تعلم إن كان عليها أن تواصل سيرها أو أن تمثِّل دور ناسكةٍ أسكرتها طقوس الصلاة

.ابتسمت للرجل ثم رفعت كفّيها و دعت له مُطَوَّلا

.كانت كفا ريتا تحجب وجهها عن الرجل، و عندما اقترب منها هَالَهُ سراب ساقيتين اتخذتا وجنتَيها مجرى لهما

.تقدم الرجل أكثر، خلع لثامه الأغبر و ألقاه على رأس ريتا و رحل

.حجرة، ورقة، مقص

ابسط الورقة فوق التراب
ثبِّتها بالحجرة
.اختر منطقةً على الورقة و انتزعها بالمقصِّ و احقنها في قلبي و خذ البقية

اخترت ؟
(الخارطة ليست اجابة)

خذ البقية و اذهب
و اترك لي المقص أصقل به غضبي
و اترك لي الحجر
اُشرِّع به
و آوي إليه
.و أتلو عليه وطني

.على مرمى حجرٍ من الحلمِ تتخاذل المناسبات

.تستند ريتا إلى جدارية درويش. تسدل شعرها على وجنتيها و تنفُخ في خصلةٍ تمرّدت على شفةٍ أوجعها طول الانطباق

.على شاشة الحاسوب تتيَــتَّـمُ الميم من آل التعريف

         .ميم مساءٍ تقاعس حتى انتاب الجفونَ قيلولةٌ مزمنة

            .ميم مَعادٍ قُصِفت أبعاده المكانـيًّة فتاهت الشهوة في لولب الزمن

            .ميم مناخٍ مُمطرٍ مُعسرٍ مُقترٍ متطاولٍ على أكذوبة شمسٍ

            .ميم المُنى حين تُنصَب فتُصلَب الصلوات

ثم ماذا لو؟

تُقـرِّر ريتا أن المناسبات خرافةٌ جميلة و تقرر التوقف عن الإيمان بها و تقرر الضحك بصوتٍ عالٍ حتى تُغَطِّي صدى السكونِ في الجانب

.الآخر من الشاشة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

:قال الصدى »
وتعبتُ من أَملي العُضَال . تعبتُ
من شَرَك الجماليّات : ماذا بعد
بابلَ ؟ كُلَّما اتَّضَحَ الطريقُ إلى
السماء ، وأَسْفَرَ المجهولُ عن هَدَفٍ
نهائيّ تَفَشَّى النثرُ في الصلوات
« .وانكسر النشيدُ

،سيِّدتي و حبيبتي و مُنايَ و مِلئُ كأسي

نورُ الثُّريَّا فوق رأسي يحجُب أفكاري عن زُرقةِ المشاعر. نسيتُ كيف أكتب. نسيت كيف أخُطُّ حروف اسمي، و
.اسمُكِ عظيمُ الوقعِ، رهيفُ الدَّمعِ، استحواذيُّ الادراك

.ليتني مصباحٌ فـي زجاجةٍ فـي مشكاةٍ تُــؤنِسُ وِحشة جبهتك فـي ليلةٍ حالكة العواطف

،ملمس المخمل تحت أناملي يشبه ابتسامةَ غامضةَ التضاريسِ اعتلت مُحيَّاكِ عندما، بين الحلم و اليقظة
.سألتُكِ أملاً و بضعَ أشواق

.ليتني خيطُ شمسٍ يلتفُّ حول كاحِلَيك كي، عندما تُبحِرين، تزدهر على طريقك حبات رملٍ عذراء الحواس

تُداهِمني ذكـرى اللقاء الأخير. لحظاتٌ تلتصق بالذاكرة كالعلكة بالمخمل. و الدهرُ، كالماء المجَمَّد، يمُرُّ فـــيزيد
.تثبيتاً و لا يخلع

.يومُ الأحد كان أزرقا و يومُ الاثنين لن يكون

.ليتني قاربٌ من سُكَّر. ليتكِ المحيط الهادي. ليتني قاربٌ من سكَّر يُبحِر فـي المحيط الهادي فيذهبُ و لا يعود

.فـي عَينَيكِ أثر الفراشة و وُعودٌ سمراء و قهوة

أسألكِ، دائما بين الحلم و اليقظة، عن تلك القهوة التي سكبتُـها يوما عن قصدٍ – أو لا -. الأعذارُ سهلةٌ ممتنعة. الكلمات تموت حين تُقال. الوجه السابع للنَّردِ مُصفَرٌّ يأتيهِ الغثيان كالموجِ و ينسحِب. تُخالِــجُ النفسُ الأملَ فيصُدُّها
.من دبرٍ فيُسجَنُ الأمل و يُقَدُّ القلب من الشمال إلى الجنوب

.الحبُّ ثلاثيُّ الأبعاد. كسرةٌ و ضمةٌ و أنتِ

البُعدُ الرابع فتحة للنصب و الاحتيال. و أنا – و من أنا لأقول لكِ ما أقولُ لكِ ؟ – لا كسرةَ تجُرُّني نحوكِ و لا ضمَّةَ ترفعُني إليكِ، و لا أنتِ لي و لا أنا منكِ، و القهوة المسكوبة إن فَتحَت يوماً وهماً بالنَّصب فلستُ أمُتُّ للشُّبـُهات
.بشيء

.السؤالُ بيِّـــــــــنٌ و الجواب بيِّـــن، و بينهما ثغركِ الباسمُ، كالشوق، قطعةُ ليلٍ فـي جوفـي تُهدِّدُ بالاندثار

.ليتني سُكونٌ فوق حوَّاءِ نحْن

ًأسكنوني حوتا
ًو اقذفوني بحرا
.ْو اتركوني أسبّح